اللهجة الحسانية: معنى فائق. ومغنى شائق!

(عدنان عبوا)

العيون – (آش مواسي، آش نبنتك مع الصحة، ياك إلا الخير، ياك ما واجعك شي، ياك والو باس)، استهلال ماتع يستقبل به أهل الصحراء المغربية بعضهم البعض سائلين عن الحال وسابرين عن المآل، هذا ما استرقه سمع سعيد، المكناسي الذي شاءت تصاريف القدر أن تطأ قدماه عاصمة جنوب المملكة، العيون، أول مرة منذ ثلاثة عقود ونيف، ممتثلا لضرورات العمل.

منصتا في تبتل لهذا الاستهلال الذي يطول – وكورونا الفتاكة مسؤولة عن هذا – قدر الانتهاء من تبضعه واقتناء ما يلزم، فسمع قول التي تجادل زوجها مهاتفة (راني نحانيك إلايين تجيب ذاك اللي كال فالدار)، ومتدثرة بملحفة، مخاطبة بعلها الذي ربما شغله كرح كؤوس الشاي في لمة – واللمة هنا مهرها غال وتشملها جيمات ثلاث حتى ينجح الطقس وهي : الجمر والجماعة والجر، ويعني الأخير موضوعا يلي آخر- ، عن إتيانها رغابها مما ندر وقل في البيت، فيممت وجهها شطر سوق “اسكيكيمة” الشعبي الذي يضج بحركة القاطن القار والوافد المار، للاتكال على نفسها، فلربما لن يأيتها البعل بما تريد، فانبرت هي لفعله، فالمرأة هنا “تفكراشت”.

لفظ “تفكراشت” دال على الإقدام والجسارة، وهما سمتان صميمتان لمن وطن هذه الأرض المغربية، ولسوف يسقط صاحبنا المكناسي نقاط الشين ترفعا إن هو نطقها، لاضير، “لعمري إن الهوية الوطنية الجامعة لضام ة لكل الروافد عربية وإسلامية وعبرية وأندلسية وإفريقية”، يفضي سعيد في حديث لوكالة المغرب العربي للأنباء، ويمضي موغلا في شعاب السوق لاقتناء الشاي و”العلك” (مادة تستخرج من لب شجر الطلح) الذي يزيد إلى الشاي بريقا وكثافة، (هادشي وتوف اللي خصني) يقول سعيد بعدما تملك بعضا من ناصية الحسانية، فـ”توف” تعني “كفى”.

يشدد سعيد على وجوب استيعاب اللفظ الحساني وتداوله والانفتاح عليه، والحسانية لب الجنوب وبابه، مؤكدا “اللهجة الحسانية تتسم بخاصيات متفردة لكونها تستقي خصوصياتها من اللغة العربية رأسا، بل هي اللغة العربية”.

يطرق صاحبنا حين تخترقه كلمات منسابة من فاه شيخ تشي أخاديد وجهه بحكم معتبرة، ولنا في المثل الحساني خير مثال “شوف الشيباني التاكي ما تشوف الفكراش الواقف” دلالة على دربة الأول وحنكته لما أبدى له الزمان من تجارب لما يعشها الشاب المقدام الجموح.

غاية المرام وجوب الإقبال على تعلم اللهجة وتوسيع نطاقها ومداها لكونها لا تهم فقط هذه الربوع من الوطن، ويسري عليها ما يسري على التراث الشفهي برمته من اختراقات محمودة ومذمومة، أولها تدابر أهلها وتفريط معظمهم في العناية بها، وآخرها متعلق بالسياسة العمومية ، لكن الأستاذ رحال بوبريك، الباحث والأكاديمي المتخصص في الأنثروبولوجيا، يرى أن الوثيقة الدستورية 2011 شكلت منعطفا مهما في ما يتعلق بدسترة الحسانية كثقافة، حيث نص الفصل الخامس من الدستور على أنه: “…تعمل الدولة على صيانة الحسانية، باعتبارها جزءا لا يتجزأ من الهوية الثقافية المغربية الموحدة، وعلى حماية اللهجات والتعبيرات الثقافية المستعملة في المغرب، وتسهر على انسجام السياسة اللغوية والثقافية الوطنية، وعلى تعلم وإتقان اللغات الأجنبية الأكثر تداولا في العالم، باعتبارها وسائل للتواصل، والانخراط والتفاعل مع مجتمع المعرفة، والانفتاح على مختلف الثقافات، وعلى حضارة العصر”.

وأكد الأستاذ بوبريك الذي يشغل أيضا منصب أستاذ باحث في معهد الدراسات الإفريقية التابع لجامعة محمد الخامس بالرباط. أنه يتعين تجسيد هذه النظم الدستورية من قبل المؤسسة التي ستتكلف بالنهوض بالثقافة الحسانية وهي المجلس الوطني للغات والثقافة المغربية (قانون 04.16).

ويجزم الأستاذ رحال بوبريك أن الجهات بما هي مطوقة به من صلاحيات، تسهر على النهوض بالحسانية لكونها من صميم صلاحياتها النهوض بها خصوصا بالجهات الجنوبية الثلاث للمملكة، لكن على أرض الواقع ” لم نلحظ أي شيء في هذا الباب ونتمنى أن يعتبر الساسة ومدبرو الشأن الجهوي الثقافة كركن محوري في التنمية، وليس ترفا فكريا، على اعتبار أن الهوية الجهوية المحلية تتكامل مع الهوية الوطنية”.

وعلى صعيد آخر يشدد الأستاذ أن الثقافة الحسانية شفهية بامتياز وتتسم بالغنى والتنوع وتتكون من عدة تعابير من قبيل الفن والغناء والشعر الحساني، إضافة إلى الأهازيج، كما أنها تتخذ أبعادا شتى، وأوجدت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم الثقافة معايير لصونها، وكرس البحث العلمي آليات لصيانتها وحفظها من الاندثار عبر توثيقها بصريا وسمعيا وكتابيا، للحفاظ عليها وتلقينها الأجيال اللاحقة.

وفي هذا الإطار، يؤكد الأستاذ الباحث محورية دور الوزارات الوصية من قبيل وزارتي الثقافة والشباب والرياضة والتربية الوطنية والتكوين المهني والتعليم العالي والبحث العلمي، ومؤسسات أخرى من قبيل (مؤسسة موسم طانطان)، المنوط بها القيام بهذا العمل التوثيقي، خصوصا مع تغييب المنية لشيوخ حافظين للذاكرة وغياب مخطط منسجم ينهض بمقومات تدوين الثقافة الحسانية أيا كان شكله، صونا لها من الاندثار.

وبما أن نطاق تداول اللهجة الحسانية يمتد من جنوب المغرب حتى شمالي موريتانيا ومالي، وحتى جنوب الجزائر، استشرف الأستاذ بوبريك عوائد هامة للمغرب، إذا تم الاستثمار في اللهجة وجعلها محركا ورافعة لإشعاع جهوي وإقليمي ودولي، وبغرب إفريقيا أساسا، مشيرا إلى أن كسب الرهان الثقافي من شأنه الإسهام في كسب رهانات أخرى لا سيما سياسية ودبلوماسية، تستند على الأسس التنموية متعددة الأبعاد، والذي يشكل الأساس الثقافي عمادها.

وأبدى الأستاذ الباحث في معهد الدراسات الإفريقية أسفه لكون المراكز البحثية نتاجا لغياب سياسات محكمة من قبل المتدخلين، كما شدد على أن الدراسات يتعين أن تؤطر أكاديميا، لكونها مشمولة بمرجعيات علمية موضوعية، مستشهدا بتجربة فريدة ويتيمة في هذا الباب لمركز الدراسات الصحراوية الذي تم إغلاقه سنة 2017 بعدما أصدر ستين كتابا حول الثقافة الحسانية، وأشرف عل سلكي الماستر والدكتوراة بكلية الآداب والعلوم الإنسانية محمد الخامس.

وحث في المقابل على مواكبة كل الأعمال الجادة التي تلتقي فيها إرادة صاحب الجلالة الملك محمد السادس مع إرادة القوى الحية، خاصة أجرأة وتفعيل المشاريع المدرجة في إطار النموذج التنموي الجديد للأقاليم الجنوبية للمملكة الموقع بين يدي جلالة الملك سنة 2015، الذي أكد على التنمية الشاملة، وأساسا شقها الثقافي.