“دور الأعراف في فض المنازعات بالمناطق الصحراوية” محور ندوة وطنية بالسمارة

السمارة – شكل موضوع “دور الأعراف في فض المنازعات بالمناطق الصحراوية”، محور ندوة وطنية نظمتها هيئة المحامين لدى محاكم الاستئناف بأكادير والعيون وكلميم، أمس الخميس بمدينة السمارة، في إطار فعاليات الملتقى الرابع للعدالة.

ويعد هذا اللقاء، المنظم بشراكة مع جمعية هيئات المحامين بالمغرب، ووزارة العدل، والمجلس الأعلى للسلطة القضائية، ورئاسة النيابة العامة، ومحكمة الاستئناف بالعيون، وجامعة ابن زهر، وشبكة عمداء كليات الحقوق والاقتصاد والتدبير بالمغرب، فرصة لتدارس جانب مهم من شؤون العدالة بالمغرب.

وأكد وزير العدل، عبد اللطيف وهبي، في كلمة تلاها نيابة عنه مدير التجهيز وتدبير الممتلكات بالوزارة، مولاي سعيد الشرفي، على أهمية موضوع الندوة لكونه يعالج البحث في مكانة الأعراف كمصدر من مصادر القاعدة القانونية، ومدى مسايرته للأوضاع الاجتماعية والاقتصادية، مبرزا مساهمة الندوة في الكشف عن الذخائر التي تزخر بها المملكة، وخاصة في مجال الأعراف كوسيلة ناجعة لفض النزاعات بهذه الربوع من الوطن.

وسجل أن اعتماد الأعراف كوسيلة لفض النزاعات ارتبط، بشكل كبير، بميلاد ونشأة قضاء القرب في كل المجتمعات، وبالتالي شكل بداية لتأسيس مقومات دولة الحق والقانون، ومساهمة في تطوير المنظومة القضائية، مشيرا إلى أن التطورات المختلفة على المستوى الاقتصادي والاجتماعي والثقافي والحقوقي، ساهمت في تنوع وتعدد مصادر القاعدة القانونية.

وأضاف “إذا كانت الضرورة قد دعت إلى المحافظة على بعض الأعراف المجتمعية، فإننا مدعوون جميعا، كل في مجال تخصصه، إلى الانخراط الكامل في البحث والتحليل للأسس التي تقوم عليها هذه الأعراف، وهو ما يمنح مشروعية لهذا الملتقى الذي ننتظر منه المساهمة في ترسيخ الممارسات الفضلى”.

أما الرئيس المنتدب للمجلس الأعلى للسلطة القضائية، محمد عبد النباوي، فاعتبر في كلمة تلاها نيابة عنه الرئيس الأول لمحكمة الاستئناف بالعيون إبراهيم بن تزرت، أن ملتقى العدالة أضحى تقليدا سنويا راسخا ينتظره الجميع بترقب كبير، لما يتيحه من إمكانيات تبادل الخبرات والآراء والأفكار والمقترحات على النحو الذي يقرب الرؤى بين الممارسين ويعمق الوعي القانوني إزاء مختلف القضايا القانونية والاقتصادية والاجتماعية.

وأضاف أن أهمية هذا اللقاء تكمن في الراهنية الكبرى للمواضيع المطروحة على بساط الدرس والتحليل والنقاش، مبرزا أن اختيار دور الأعراف في فض النزاعات بالمناطق الصحراوية كعنوان للاجتماع، يعكس إبداعا في الطرح، وشمولية في الرؤية النابعة من استحضار العمق الثقافي والتاريخي والديني لساكنة المناطق الصحراوية، ويربط حاضرها بماضيها.

وسجل أن العادات والتقاليد والأعراف هي المكون الهوياتي الرئيسي للصحراء، مذكرا بأن القاعدة العرفية، كقاعدة موجهة للسلوك الإنساني عبر المجموعات الاجتماعية وبحسب تعدد وتغير هذه المجموعات وفق الحمولات الثقافية التي تحكم كل مجموعة، تكتسب قوة أكبر من القانون المكتوب، لكونها نابعة من التمثيلات الاجتماعية لما ينبغي أن يكون عليه السلوك.

وقال “إذا كانت القاعدة القانونية المكتوبة العامة والمجردة من سمات السيادة القانونية على المجال الترابي، فإن للأعراف مكانتها المعتبرة التي قد تطبق أحيانا بالأولوية على القانون المكتوب في بعض النزاعات. فالأعراف المحلية جزء من التراث الذي يتعين الحفاظ عليه وتطويره”.

ومن جهته، أبرز الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض، رئيس النيابة العامة، مولاي الحسن الداكي، في كلمة تلاها نيابة عنه رئيس قطب تتبع القضايا الجنائية وحماية الفئات الخاصة، عبد الرحيم حنين، أن القاعدة القانونية تعد نتاجا متقدما لما توصل إليه الفكر البشري في سبيل تنظيم محكم لمختلف العلاقات الاجتماعية، وحلا للنزاعات التي تثار.

وأوضح أن الأعراف القبلية، خاصة في المناطق الجنوبية، لا تزال تكتسي أهمية خاصة ومتميزة، ولعل ما يؤكد ذلك التشابه الكبير في العادات والتقاليد بين مختلف قبائل الصحراء المغربية، وشبه الإجماع الحاصل على الأفعال الفاضلة، والأفعال القبيحة التي أكسبها الاعتياد والزمن اتفاقا جماعيا؛ أحالها إلى أعراف ملزمة.

وأضاف أن تلك الأعراف غدت قواعد تواتر الإحتكام إليها بشكل عفوي، كما ترسخ الاعتقاد بإلزاميتها، وضرورة احترام أحكامها، بتوقيع الجزاء على من يخالفها وهي بذلك مجموعة “قوانين عرفية” متعارف عليها تنظم حياة القبائل وسلوكها الاجتماعي، وتعمل به كنظام مقدس يحفظه الخلف عن السلف.

ومن جانبه، أبرز نقيب المحامين لدى محاكم الاستئناف بأكادير والعيون وكلميم، نور الدين خليل، أن الحديث عن الأعراف ودورها في فض النزاعات في المناطق الصحراوية يجمع ما بين التاريخ والجغرافيا والسوسيولوجيا والأنثروبولوجيا، والقانون وعلم النفس الجماعي وعدة علوم أخرى متداخلة ومتراكبة.

وأضاف أن العرف لدى المحامين، أفرادا ومؤسسات، هو قواعد سلوك أساسية تشكل جوهر السلوك المهني السوي والقويم، مبرزا أن البحث الأزلي للجماعات البشرية عن قواعد تمثل العدل والإنصاف، وتحمي الحقوق والحريات الفردية والجماعية، بما يدعم تلاحم مكونات المجتمع واستقرار معاملاته، هو أمر تجسده بدرجة مثلى مهنة المحاماة، التي هي بامتياز، مهنة الأعراف والتقاليد.

وتميز هذا اللقاء، الذي حضره عامل إقليم السمارة حميد النعيمي، ورئيس المجلس الإقليمي محمد سالم لبيهي ورئيس جماعة السمارة مولاي ابراهيم الشريف، وعدد من المنتخبين والأعيان، بتكريم شخصيات صحراوية ساهمت في تفعيل والاعتماد على الاحتكام إلى الأعراف في فض النزاعات بالمناطق الصحراوية. ويتعلق الأمر بالحاج ابراهيم ولد الرشيد، وسيد أمو الشرفي.