كورونا” حائلا بين دأب أهل الصحراء وعاداتهم

-عدنان عبوا-

السمارة – لايكاد يختلف اثنان حول وخيم مآلات الوضع الناجم عن جائحة كورونا، على الصعد الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وحتى تلك التي تتصل بالمعيش اليومي للفرد البسيط أنى كانت جغرافيته.

أبلغ مثلا وقع الجائحة على طقوس بعينها لأهل الصحراء المغربية على امتداد السنة، وآخر يجلي أثر الوباء عليها لرمضان ثان على التوالي. ويعكس نمط عيش الأسر والعائلات الصحراوية نظاما مجتمعيا يشد بعضه بعضا ولا ينفك أن ينفرط عقده، إلا لرزية أو فاجعة، كما أن عادات هذه الأسر والعائلات ظلت عصية على مد العولمة الجارف ومراميها، ومن ضمنها صيغ تصريف الشهر الفضيل، ابتداء من التهييئ لمائدته، وانتهاء مما يرافقه من طقوس صميمة واجبة لضيف خفيف الظل مستطاب العشرة.

الموائد الرمضانية ليست بدعا من نظيراتها على طول السنة، فمائدة الإفطار تضم “ل حسا ل حمر” المعد من دقيق الشعير والذهن أي الزبدة، وحليب النوق، وكذا لحم الإبل المشوي الذي تتلمظ عليه الشفاه ويعد بطريقة مقل ة ويطبخ على نار هادئة ليسري مريئا بعد تناوله، ثم الكبد والدروة (سنام الجمل)، وإضافة أطباق عصرية تنصهر مع المائدة الصحراوية، مع التأكيد على تلازم لحم الإبل وحليب النوق.

بكرم حاتمي، استقبلنا السالك سليل السمارة، العاصمة الروحية للأقاليم الجنوبية للمملكة، في بيته رفقة ذويه، ماضيا في بسط مكونات المائدة الصحراوية المزهوة بكؤوس الشاي الصحراوي الباذخ، والتي يشدد على أنها تتضمن مكونات تتدارك الطاقة التي تم هدرها صباح الصوم المديد في رمضاء الصحراء وحر ها.

وأفضى السالك حديث الزواج، في بوح لوكالة المغرب العربي للأنباء، أن مجلس النساء والأطفال غير مجلس الرجال متى وفد ضيف على بيته، امتثالا لما جرى العمل به في هذه الربوع، مضيفا “هذا الترابط الذي وسم سيمياء العائلات والأسر الصحراوية الممتدة، والتي قرت لزمن غير يسير تحت سقف واحد، ماض في التآكل نحو الأسرة النووية”.

أما عادات الألفة والتساكن فأكد السالك الشاب الثلاثيني، أن جائحة كورونا قلصت منها بل “أقبرتها حتى حين”، صونا للأرواح من هذا العدو المحتجب، فلا تكاد ترى لمة حول كؤوس الشاي في طقس مشيع للبهجة والحبور إلا في نطاقات أسرية عائلية جد ضيقة، مشيرا إلى أن ظرفية الشهر الفضيل توجب في المقابل إعلاء الجوانب الروحانية بما يجعل الفرد يتعرض لأجزية رمضان على غرار البر بالوالدين والسؤال عنهما وقضاء حوائجهما وتلاوة القرآن الكريم وتدارسه مع قرض الشعر.

كما أن الجائحة أعدمت لقاءات أخرى مباركة -يقول السالك- “كنا نجتمع فيها لذكر الشمائل المحمدية وذكر مناقب الجناب الأحمدي والتأسي به، وتشاركنا فيها النساء لما يبدينه من تعلق بالحاشر عليه أفضل الصلاة والسلام”.

رمضان أيضا شهر لا تغادرنا فيه الطرفة والحبور فرحا بمقدم ضيف عزيز، لذلك تزجي النسوة وقتا في ممارسة لعبة “السيك” و”شد لخبار” والخوض في مواضيع وحدهن النسوة من يبرعن في الإمساك بتلابيبها، بعدها “لا هي ن عدلو ح بيبات مارو” تقول حاضرة، فيما تومؤ أخرى مجيبة بنعم “حك بعد”، أي وجبة مارو باللحم أو بالسمك التي تتكون أساسا من الأرز وتسقى بعناية بمرق مكونيها الأصليين.

ولا تكاد الموائد الصحراوية تعدم “الزريك” يستدرك السالك، الذي استعاض عنه معدوه في “جيرة” كبيرة على شاكلة قدر يتناقلها عاب وها إلى كؤوس أخرى وفق ما أملته دواعي الجائحة، يعقبه كرح كؤوس شاء متواترة بجيماتها الثلاث، “الجمر والجماعة والجر”، تزدان بها موائد معدة خصيصا لإنزال هذا الطقس مكانته التي يستحق في وجدان أهل الصحراء، على اعتبار أن لكل ضيف مائدته.

ونحن نهم بالمغادرة على أمل عودة أخرى ميمونة، أومأ السالك إلى ركن الغرفة الفسيحة وأتى بـ”المرشة” ناضحا إيانا بمسك فواح أساسه “تيديكت”، ق رى للضيف وطمعا في نوال الشهر الفضيل.