مخرج إسباني يقتفي أثر القوافل العابرة للصحراء انطلاقا من مدن العيون والسمارة وطرفاية

العيون – حل مؤخرا المخرج الاسباني، ألفونسو سوطو مارتن (Alfonso Soto Martin) بالساقية الحمراء رفقة مساعده وكذا مدير التصوير المغربي محمد كارة، وأطر من الطاقم الإداري للشركة المنتجة، وذلك بهدف اختيار مجموعة من المناظر الطبيعية وأماكن التصوير في محيط كل من مدينة العيون والسمارة وطرفاية.

وتقول خديجة الفتحي، مسيرة الشركة المنتجة، إن اختيار جهة العيون الساقية الحمراء، أملتها طبيعة الموضوع المتعلق بتجارة القوافل العابرة للصحراء، بما توفره من عناصر بيئية ستغذي بقوة البناء الدرامي للفيلم، “اجتياز الصحراء الكبرى الأفريقية عملية شاقة وعسيرة… وعلى الرغم من طبيعتها القاسية لم تكن حاجزاً منيعاً بين بلاد المغرب وبلاد السودان الغربي، إنما اخترقتها عدة طرق بين حديها الشمالي والجنوبي مع وجود الجمل”، تضيف المتحدثة.

وتتابع، لا نسعى إلى انتاج فيلم فلكلوري، بل عملا يساهم في فهم هويتنا، أصالتنا، والصفات التي تصنع تميزنا وفرادتنا، فنتعرف من خلالها على أنفسنا، كما نتعرف على الآخرين، دليلنا في ذلك ما تختزنه الهوية من خصوصيات، تحدد الاختلاف. فالحاضر يولد من رحم الماضي وهو جزء من هذا التراث، يحمل بعض ألوانه، والسمات”.

وتسترسل موضحة، “ما نصبو إليه ليس مجرد تصوير قوافل تجارية لرجال ملثمين يركبون الجمال، وإنما التقاط المنفلت والغوص في العمق، بإزاء ثقافة لا مادية مهددة بالانقراض، فقبل وصول البشرية إلى نظام تحديد المواقع (GPS) اعتمد هذا المجتمع المتمرس على نمط الرحيل في حياته البدوية، على المؤشرات الدالة على الجهات إذا آنبهمت، حين تحجب السحب النجوم او تلف طريقه زوابع الرمال والغبار، فلا يتبقى له إلا نتف الغبار لتحديد حركة اتجاه الريح المتدفقة من غرب المحيط، او التأمل في انحناءات الأشجار والنبات في المائلة دوما في اتجاه الشمال، فضلا عما ترسمه الأودية والأخاديد من أكوام وترسبات في اتجاه مصبها نحو المحيط أو عند نقطة في سديم صحراء قاحلة. صحراء لا ينفع معها نظام تحديد المواقع إذا كان نقص في صبيب الأنترنيت”.

وتستطرد، الكل يعجبه التقاط الصور فوق التلال، لكن القليل من يدرك أهميتها في تحديد الاتجاهات، وتضيف، ” عبور الصحراء يتطلب رجالا متمرسين يعرفون جيدا نقط الماء، ولهم القدرة على الصبر والتحمل ومعرفة جيدة بالتربة، هي ثقافة تراكمت لدى أفراد هذا المجتمع منذ آلاف السنين، قبل أن تتصحر هاته الأرض والتي كانت ما قبل التاريخ تتسم بالخصوبة وكذا عمقا حضاريا وإنسانيا وتجاريا ضاربا في الجدور، كما يدل على ذلك عمق وانحدار أوديتها الشديد، وكذا نقوشها الصخرية المتواجدة بإقليم السمارة ملتقى الرموز والآثار، وموطن القداسة والصلحاء، جسر مرور القوافل الذاهبة والقادمة من تندوف أو من تومبوكتو عبر شنقيط والساقية الحمراء وواد نون في اتجاه أغمات وسجلماسة.

نقوش صخرية تبعا للمتحدثة، تبين وجودا مكتفا لمربي الماشية، والذين هم في نفس الوقت قناصون، وكذا حيوانات جنوب الصحراء، تشير إلى مناخ أكثر رطوبة من الحالي على الأقل، (الفيل، وحيد القرن، الزرافة إلى جانب السمك والتماسيح)، عناصر ستنسل بطريقة فنية في صوغ حكاية فيلم يقتفي آثار الغابرين، كما سيستلهم بعض الخلفيات الطبيعية لجريان بعض الأحداث تحيل على نهر النيجر مثلا او مناجم الملح، بعد تجهيز هاته الديكورات الطبيعية، والتي يشرفنا تسويقها على أوسع نطاق عالمي.

وتشير الفتحي، إلى أن الساقية الحمراء تعد محطة ضمن محطات أخرى كنواكشوط وأودغشت، إلى جانب مدن نائمة تحت الرمال، منها مدينة آزوكي بموريتانيا، وتعد العاصمة الثانية لدولة المرابطين، والتي منها انطلقت طلائع جيوشها، نحو أغمات وسجلماسة مرورا بنول لمطة وتكاوست، هي أمكنة غير اعتيادية شكلت نسيجا لعلاقات تاريخية ربطت البلدين الشقيقين المغرب وموريتانيا بعضهما ببعض وبعمقهما الأفريقي وامتداداته على مستوى بلدان شمال أفريقيا والبحر الأبيض المتوسط، وشكلت سجلماسة منارته التجارية الدولية وبؤرة انصهار مجموعة من الإثنيات العرقية، أمازيغية، كقبائل زناتة وقبائل بني مرين وصنهاجة ومصمودة، ومن العرب بني هلال وبني معقل الذين اسقرت الفئة الأولى منهم إبان الفتوحات الإسلامية، فضلا عن بقايا الأجناس الأفريقية القديمة أو تلك القادمة في القوافل التجارية، إضافة إلى ألأندلسيين بمختلف طوائفهم العربية الأمازيغية أو اليهودية، دون إغفال أهل العراق ممن سكنوها من تجار قدموا من البصرة والكوفة وبغداد الخ.

وتخلص المتحدثة بأن عملا فنيا يستند على هكذا رؤية وخلفية فكرية، لن يحالفه النجاح إلا بالتفتيش الصعب عن موارد التمويل، وعن سبل المعالجة الفنية والعلمية التي تجعلنا تبعا لها، نعيش عصرنا لا خارجه، وبالتالي فجدور علاقتنا الثقافية والتجارية والسياسية بعمقنا الأفريقي والمتوسطي تسمح لنا بدور ما، في صناعة العصر، وبتجديد أواصر صلات انقطعت في فترة من فترات التاريخ. من هنا تبرز أهمية مساهمة الثقافة وخاصة السينما في التقريب بين الشعوب، وفي جعلها تتصالح مع تاريخها. التاريخ اليوم صار يدرس من خلال المتاحف والمعارض الفنية والأفلام السينمائية، تضيف الفتحي.

وتختم، من السهل أن يتم تقييد الأثار ضمن لائحة الأثار الوطنية، لكن تحفيز الاهتمام بها وتثمينها وحمايتها من عوادي الطبيعة وتعديات الانسان، أو نهب كنوزها من موطنها الأصلي من تماسيح ونقوش صخرية ولقي هي مهمة صعبة وفق الشروط الحالية التي لازال فيها عالم الأثار عندنا يعول في انجاز بحوثه على دعم مراكز أبحاث دولية ومد اليد كأنه يطلب صدقة لاستكمال مشروعه العلمي، وإن لم يجد، حسبها، اكتفى بتقديم الدرس في رحاب الجامعة، ثم تتساءل فما بالكم بعمل فني يعد قناة وساطة إبداعية ثانية لها القدرة عبر وسائل الاتصال ومن ضمنها السينما للترويج لإبداعية الأسلاف وعبقرياتهم، وبجعل مزاراتهم محجا للسياح وموردا لخزينة الدولة، ومصدرا للعيش للمئات من الناس ووثيقة ديبلوماسية في العلاقات الدولية للبلد، ومثار إلهام لصناع السينما والتلفزيون للاستثمار في هاته المواقع التاريخية، هكذا يمكن أن نؤمن حماية تراثنا وأن نتغذى منه ماديا ومعنويا، وفق وجهة نظر خديجة، التي تشكر بالمناسبة الشركاء الذين وضعوا ثقتهم في مشروع ” اقتفاء أثر الغابرين” وهو عنوان مؤقت لهذا العمل الوثائقي الضخم